في السنوات العشرين الماضية، تعرضت بعض الشركات والمؤسسات الإقتصادية المساهمة لهزات مالية، نتيجة لتجاوزات الإدارات أو لإهمالها أو لسوء إدارتها. هذا بجانب الإنتهاكات القانونية التي تعرض لها البعض الآخر منها، نتيجة لخيانة الأمانة من بعض العاملين أو الموظفين بهذه المؤسسات.


ولقد شهدنا محاسبة أو محاكمة بعض الموظفين والعاملين الذين إرتكبوا أفعال خيانة الأمانة، وبالتأكيد ليس جميعهم. ولكننا لم نلحظ محاسبة قانونية أو محاكمة لإدارة بنك أو شركة، لإنتهاكها القوانين واللوائح النظامية للعمل أو لسوء إدارتها، وتبعاً لذلك تسببها في إنهيار المؤسسة، وتعريض المساهمين للخسائر وضياع مدخراتهم. ولذلك، فأن بعض الأشخاص من إدارات المؤسسات المذكورة، لا يزالون في إدارات بعض الشركات، ويتم التعامل معهم كرجال أعمال أو إدارة محترمين، وكأنهم لم يفعلوا شيئاً، ولم يعرضوا أعداد كبيرة من المساهمين لخسائر فادحة، ولم يعرضوا الإقتصاد بالبلاد للضرر والهزات السلبية. وأتصور بأن سبب ذلك هو سلبية المساهمين، وبالذات حملة الأسهم المتوسطين. فالمساهمين الكبار غالباً ما تكون مصالحهم متشابكة، ولذا فليس من المتوقع أن يحاسبوا أو يحاكموا بعضهم بعضاً. والمساهمين الصغار بالرغم من أعدادهم الكبيرة، فأن خسائرهم ليست بالحجم الكافي لإلحاق الوجع بهم على المستوى الفردي. كما أن أغلبهم غير متابع أو مهتم بشؤون الشركة المساهم بها، أو حركة السوق بشكل عام.


إن المساهمين بشكل عام والمساهمين المتوسطين بشكل خاص، ظلوا سلبيين تجاه ما تتعرض له الشركات المساهمة من أزمات، وما تعرضت له العديد من هذه المؤسسات من خسائر مالية نتيجة لإهمال الإدارات أو فسادها أو سوء إدارتها. وهذه ظاهرة غير مفهومة، لأن التشريعات والقوانين والنظم التجارية القانونية تعطي حقوق واسعة للمساهمين في الدفاع عن مصالحهم، كما تفرض مسؤوليات كبيرة على إدارة الشركات المساهمة تجاه المساهمين وأموالهم في هذه الشركات بشكل خاص، وتجاه السوق والقطاع الإقتصادي بشكل عام. وقد يكون مفهوماً عدم إتخاذ أياً من المساهمين إجراءات المحاسبة سابقاً، ولكن الآن المسألة تختلف. فالوضع السياسي العام المنفتح، والتشريعات والأجواء الإقتصادية القائمة على الإنفتاح والشفافية، يفترض أن تشجع المساهمين للخروج من سلبيتهم، والبدء في إتخاذ خطوات إيجابية للدفاع عن مصالحهم، خاصة وأن ذلك سيؤدي إلى خدمة البلاد وحماية إقتصادها، وتعزيز سمعة السوق، وبالتالي زيادة حجم الأمان للإستثمارات الخارجية، نتيجة للإطمئنان بأن هذه البلاد لا يترك فيها من يعبث بإقتصادها، وبمصالح المستثمرين بالشركات المساهمة التي تشكل عصب الإقتصاديات الكبيرة، سواء بالخدمات المالية أو التنمية الصناعية.

وأعتقد بأن قد آن الأوان لأن يقوم المساهمين وبالذات المتوسطين والصغار، بالتوجه للجمعيات المتخصصة، للدفاع عن مصالحهم، خاصة لأن المرحلة الراهنة تمتاز بالتشريعات الواضحة، بجانب أن الظروف مواتية لأن يقوم المساهمين بلعب الدور المنوط بهم لحماية إستثماراتهم ومدخراتهم، وتبعاً لذلك حماية الإقتصاد الوطني. إن ذلك يستلزم الإهتمام بدراسة التشريعات والقوانين التي تنظم ممارسة حقوقهم في الرقابة والمحاسبة على الإدارات، والتشريعات والقوانين التي تحدد مسؤوليات إدارات الشركات المساهمة، وإتخاذ الإجراءات اللازمة، تجاه التجاوزات أو الإنهيارات التي تشهدها أياً من هذه الشركات نتيجة إهمال الإدارات أو سوء إدارتها أو فسادها. وبطبيعة الحال، فأن الدعوة هنا لا تغفل بأن بعض المؤسسات تتأثر نتائجها بعوامل السوق المحلية أو الدولية، أو بعوامل إقتصادية أو إجراءات وظروف إستثنائية تتعرض لها المؤسسة، ولا تستطيع الإدارة عمل الكثير حيالها. كما أن الأمر محل تقدير دائماً، حينما لا تهمل الإدارة التصريح للمساهمين بالظروف والمشاكل التي تعترضها، ومستقبل عملها تحت مثل هذه الظروف، تأكيداً للشفافية وإشراك المساهمين في تحديد توجهات العمل بالمؤسسة، وخططها لتجاوز أزماتها، وتعديل مسار عملها.


إن قانون الشركات، والنظم الأساسية بالشركات المساهمة، لا تنقصها النصوص القانونية المنظمة لحماية الشركات المساهمة من تلاعب أو تجاوز الإدارات ومسؤولياتهم تجاه المساهمين. وحق محاسبة الإدارات مفتوح لأي مساهم مهما كان حجم إستثماره بالشركة، أو مهما كان عدد أسهمه ضئيلاً. فهل آن الأوان لأن يتخلص المساهمون من الإتكالية على مؤسسات الدولة في المحاسبة وحماية مصالحهم، ويبدأوا في إستيعاب حقوقهم القانونية وتفعيلها، وبالتالي يوفروا الوقت والجهد لمجلس النواب الذي يبدو بأنه يرغب في دعم هذه الإتكالية، ويريد أن يرمي بالمسؤولية على مؤسسة النقد فيما يختص بالتجاوزات وسوء الإداراة في بعض البنوك، في توجه وتفكير لا يخلوا من عدم الموضوعية. إن مؤسسة النقد أو غيرها من الدوائر الرقابية الرسمية مسؤولة فقط في حدود نظم الإشراف والرقابة العامة على الشركات، وهذه لاتمنع التجاوزات ولا تطهر النفوس الأمارة بالسوء. ولذا، فإن المسؤولية الحقيقية هي مسؤولية المساهمين المتضررين الذين لا يواجهون من ألحقوا بهم الضرر بالمسؤولية، ولا يفعّلون إستخدام حقوقهم التي كفلتها لهم الدولة، وشرعت لذلك القوانين والنظم، ووضعتها تحت أيديهم ورهن تصرفهم.