لماذا فترة الخطوبة ؟


هناك مجتمعات يُسمح فيها بالتواصل والزيارات بين الخاطب
وخطيبته للتعارف بينهما، صحيح أن حياتهم بعد الزواج ستختلف
قليلاً عن أيام الخطوبة، وكثيرٌ من المواقف يصعب الحكم عليها قبل
الزواج فالظروف تحكم الطرفين، لكن يكفي أن تفصح هذه المدة
عن جزء جيد من شخصية الطرف الآخر –ولا بد من التعاهد على
الصدق في هذا- فبدلاً من أن تقضي أول أشهر زواجها وهي
مندهشة من أسلوب حديثه وندائه ونظراته! وتظل ليلها ونهارها
تفسر سكوته في هذه اللحظة وردَّه في تلك اللحظة، يمكنها في
هذه الفترة أن تتعرف على هذه الطباع بسهولة من خلال المكالمات
الكثيرة والزيارات المتعددة، ومن جهة أخرى إذا لم يكن بينهما
نصيب سيشعر أحد الطرفين أو كلاهما بغربة روحه عن روح
شريكه ، وتظهر له المفارقات العديدة في الشخصيات، والتباعد
الروحي والنفسي، بينما لن يحدث ذلك عندما يحصل الانسجام.
من الضروري في هذه المرحلة تقارب الأرواح وانبثاق شعاع الحب
بينهما، رغم أن في بداية الطريق لن يكون الحب بالنضج الذي
سيكون عليه بعد الزواج إذا أحسن الطرفان التفاهم، لأن أغلب
العلاقات تحتاج وقتاً لينشأ الحبُّ الناضج المتزن الذي يمكنه
الاستمرار .
إذا أراد الطرفان الاطمئنان على صحة سير علاقتهما فينبغي
أن يفكرا في نسبة قبول كلٍّ منهما للآخر، لأنها إن تجاوزت
70% فهما في الطريق الصحيح، وإن نزلت عن ذلك فيجب
أن يراجعا علاقتهما، فالعلاقة في خطر واحتمال انهيار البنيان
بعد الزواج واردٌ جداً..
الثلاثون في المئة الباقية تأتي بالمعاشرة والحب والرحمة والتنازل
والتغافل، أما إذا انخفضت النسبة فخير لهما عدم الاستمرار
واختيار شريكٍ يجد كلٌّ منهما معه الحب والانسجام
وغالباً ما تسهم فترة الخطوبة المعقولة نسبياً بين ثلاثة إلى
ستة أشهر بالتعارف الجيد والكشف عن خبايا الشخصيات
وطبائعها، فأقل من ذلك سيبقي الكثير من علامات الاستفهام
لدى الطرفين وتزيد من الخوف والتوتر لما سيحصل بعد الزواج،
وأكثر من ذلك تولد الملل وبرود العلاقة والجفاء.
وتبادل الهدايا والكلام اللطيف في فترة الخطوبة يكسر أيضاً
الكثير من الحواجز والعقبات ويقرب الأرواح بصفة عامة
فما بالك بين الزوج وزوجته.
وأما التدليس والخداع والكذب في هذه الفترة، فهذا والعياذ بالل
ه شيطان بوجهين، سيُفتضح أمره عاجلاً أو آجلاً، رجلاً كان
أم امرأة، وتدارك الأمر في مرحلة مبكرة يجنبهم الكثير من
المشاكل فيما بعد.
إن أهم دعائم الزواج الصحيح هو وعي الطرفين، لا أقصد الوعي
بمسؤولية الزواج وتبعاته فقط، بل الوعي فكرياً واجتماعياً،
والتقبل للذات والتصالح مع النفس، ووضوح الرؤية ، فالشخص
الواثق من نفسه المتفهم لحاجاته وطباعه، المُحدد لهدفه وطموحه
وأحلامه، الذي يعرف كيف يختار، ولا يتردد في أخذ القرار،
يقطع أكبر شوطٍ في كل جوانب الحياة، وليس في الزواج فحسب.
عندما يخوض كلٌّ منهما هذه التجربة وهو بكامل قناعته ووعيه
سيحدد ببساطة بعد توفيق الله تعالى ماذا يريد من شريكه،
وهل طبائع الشريك توافق طبائعه وشخصيته،
وإن قرر الاستمرار أو الانسحاب سيكون عن كامل قناعة منه،
لا ندم بعدها ولا خسارة.